فلسطين أم القدس؟

 

تثار في أحيان كثيرة في هذه الفترة أسئلة وقضايا تتعلق بأن الأصل في الاهتمام الأكاديمي بالقضية متعلقاً بمدينة القدس ومقدساتها وعلى رأسها المسجد الأقصى صاحب المكانة القدسية الكبيرة للمسلمين وكنيسة القيامة للمسيحيين، أم أن الأصل هو الاهتمام بفلسطين عموماً؟ والباعث على هذا التساؤل أن بعض الباحثين يرى أحياناً أن الاهتمام بالمدينة المقدسية قد يكون "تقليلاً من قيمة فلسطين باعتبارها القضية الكبرى برمتها. وهنا لابد أن نؤكد أن الأصل في هذين الأمرين عدم التناقض أو الاختلاف، فالقدس عنوان فلسطين، والمسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة هي عناوين الجانب الديني المقدس من القضية، وهو جانب من أغفلَه فقد جانَبَ الصواب في قضية فلسطين، وكذلك يخطئ من يظن أن الجانب الديني له وحده الأهمية دون الجانب التاريخي والإنساني وغيره من القضية.

مكتبة الصور
قرية حداد في جنين.. سياحة بعبق التراث PDF طباعة إرسال إلى صديق
الثلاثاء, 29 يونيو 2010 12:52

جنين - الضفة الغربية 

فكرة تخلط ما بين الترفيه والسياحة والتراث، حملها رجل الأعمال الفلسطيني إبراهيم حداد ومن ثم حولها مع مرور الوقت إلى حقيقة من خلال إقامته قرية "حداد" السياحية، التي أضحت معلماً سياحياً مرموقاً، يضم مرافق سياحية وثقافية على رأسها المتحف الوطني الأول في جنين شمال الضفة الغربية.

ويشكل المتحف الوطني حاضنة ثقافية وتاريخية رسمت بعناية وإبداع لتجسد حلم رجل الأعمال الذي قال إنه كان يحلم منذ صغره بإقامته .  

ويعد المتحف بهذا التصميم الأول من نوعه في فلسطين؛ فمن تجسيد العرس الشعبي قبل عام 1948 إلى الحياة البحرية على شاطئ يافا، ومقاهيها بما ينعش الذاكرة بجمال الحياة الفلسطينية في تلك الفترة، منظر صيادي الأسماك على الساحل قبل النكبة، والحرفيين من حدادين ونحاتين وغيرهم.

ويشتمل على ما يعرف باسم "البيت الفلسطيني القروي" من حيث طريقة تقسيم البيت، وطرق إعداد الطعام وكيفية إعداد الجبنة والزبدة وغيرها من المواد المصنعة منزلياً، والحظيرة، والحيوانات البيتية، والطابون وتصليح الملابس.  

ويتكون البيت من الغرف الأساسية وهي "الحرملك" الذي يستخدم للنساء، و"السلملك" الذي يستخدم للرجال، كمجلس للسهر ولعب ورق الشدة، ويتألف من طابقين العلوي مصنوع من خشب "الروزنا"، ويخصص لسكن الأبناء من العرسان، والأرضي المخصص لاستخدام العائلة.

وعلى مقربة من البيت خصص جناح خاص بالتعليم عند الشيوخ يمثل "الكتاتيب" التقليدية، ويضم أدوات التدريس القديمة وطريقة تقديم الطلبة للطعام والهدايا للشيخ المعلم مقابل أجرة التعليم.

القدس العتيقة

وتجسيداً للتسامح الديني، وضع على مدخل المتحف تجسيد للعهدة العمرية التي أعطاها الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لسكان القدس عندما دخلها فاتحًا في العام السابع عشر للهجرة، ولعل الإشارة إلى أن حداد وهو مواطن فلسطيني مسيحي تعطي رمزية كبيرة لهذا التجسيد.

وفي جناح القدس، يجسد المتحف المدينة ومساجدها وكنائسها ومقابرها، و"الشاذوف" الذي يعد أداة لنشل المياه، إضافة إلى استحضار الثوب الذي كانت ترتديه نساء القدس.   

وقال حداد إنه حرص على تخصيص جناح للعرس الفلسطيني يبدأ من زفة العريس على الخيل والهودج، والمبارزة، والزي الفلسطيني بكافة أشكاله واستخداماته.

وعلى مقربة يقع جناح "المقهى الفلسطيني" الذي يجسد رواد المقهى ولعبة المنقلة، وكيف كان يتجمع الناس حول طاولة واحدة من كاهن وخوري وشيخ، وبجانبها محال البقالة والعطارة.

ولم ينس حداد تخصيص حيز للحرف والمهن التي اندثرت ومنها الحدادة على الطريقة القديمة بالكير والفحم الحجري ومعداته الأخرى، والفواخرجي وصناعة الأطباق والأواني الفخارية، والحمام العربي والحلاق الذي كان يقوم بعمل الطبيب ويداوي بالأعشاب ويخلع الأسنان.

وفي ذات الجناح تتجسد مهنة البحار الذي يصنع شباك الصيد، وعامل القوارب ومعداته، إلى جانب الخياط بكامل معداته القديمة، والغزل والنسيج، وطريقة الكي القديمة، والإسكافي صانع ومصلح الأحذية، والبيطار صانع سروج الخيل، والمزارع الذي يستخدم الدواب والمحراث القديم في الزراعة.  

كما جسد المعرض الآلات الموسيقية الشعبية مثل الطبل والعود والصاجات والدف والربابة والمجوز واليرغول، وعلى مقربة منها تجد المنجد الذي يستعمل القوس لنفش القطن، والقزاز وطريقة صنع الأواني والكؤوس.

وحوى المتحف ذلك على مجموعة متنوعة من الصور بينها صور التقطها مستشرقون وتصور فلسطين قبل 300عام، وأخرى لقادة دخلوا التاريخ، وصور تجسد تاريخ بر الشام.

حفظ الهوية

ويقول حداد: "فكرة إقامة المتحف انطلقت من قناعتي بأن الفلكلور والتراث يشكلان أحد أهم عناصر الهوية الوطنية، ويسهمان في تنشيط السياحة الداخلية، خصوصاً في شمال الضفة، وتحديداً محافظة جنين التي قال إنها تزخر بالمواقع الأثرية والسياحية التي يمكن استغلالها". 

ويضيف أن التراث يشكل المخزون الثقافي الذي يعكس الهوية التي يحافظ عليها الشعب عن طريق تناقله من جيل إلى جيل بصورة عفوية.

ويوضح أن تراث أي شعب لا يصاب بالجمود وإنما يكتسب في كل عصر حيوية وديناميكية جديدة تمكنه من الاستمرار والتفاعل، ورغم صغر حجم الشعب الفلسطيني كوحدة سكانية مقارنة بشعوب أخرى إلا أنه يمتلك تراثاً غنياً يتوجب حمايته وتطويره.

ويذكر أن فكرة المتحف كانت تراوده منذ زمن طويل، وطالما شكلت أحد أهم أحلامه الكثيرة التي يسعى إلى تجسيدها داخل القرية السياحية التي يحلم في أن تكون مدينة سياحية عالمية يؤمها السياح من كل مكان.

ويرى حداد أنه لو استثمر أمواله في أي مكان في العالم لحقق أرباحاً مضاعفة لكن المسؤولية الوطنية التي تقع على عاتق أصحاب الأموال توجب الاستثمار داخلياً وتنشيط الحركة الاقتصادية.  

وأكد أنه يمتلك الكثير من المقومات التي تأهله للاستثمار في الخارج وأن كثيرا من أصدقائه نصحوه بذلك وبالحد الأدنى خارج جنين إلا أنه صمم على الاستثمار في مدينته التي ولد وعاش فيها.

المصدر: وكالة صفا

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع مركز المخطوطات والوثائق الفلسطينية © 2014 .

Powered By: webatme.com , Available: XHTML +CSS